ابن عربي
42
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
زهرتها ، وكل علم من ذلك بما يناسبه في التشبيه على حسب ما يعرفه من تنزل ، وقوله : حيث الخيام بها وحيث العين ، يعني المقصورات في الخيام مقامات الحجب والغيرة والصدق والعين وما تستره هذه الخيام وتحتوي عليه من العلوم ، وكل علم بحسب خيمته ، فإن كان صدقا فهو جوهر ، وإن خيمة فهي عذراء ، ثم نعت هذه العين فقال : [ الحالات التي تتردد على أصحاب الخلوات ] من كلّ فاتكة اللّحاظ مريضة * أجفانها لظبي اللّحاظ جفون يقول : من العلوم التي ترد على أصحاب الخلوات فتقتلهم في خلواتهم ، أي تفنيهم عن ذواتهم بسلطانها ونظرها إليهم ، فإن الفتك القتل في خلوة ، وقوله : مريضة أي منها أصحاب الخلوات ، والمرض الميل ، ونسبها إلى اللحاظ التي هي المشاهدة ، فيريد أنها علوم مشاهدة وكشف لا علوم إيمان وغيب ، لكنها عن تجليات صور ، ولهذا قال : لظبي اللّحاظ جفون ، أي هي بمنزلة جفون السيف ، فإنه لما ذكر الفتك جاء بآلة القتل ، فجاء باللحظ وشبهه بالسيف . [ حالة الستر والكتمان وهي حالة الملامتية ] ما زلت أجرع دمعتي من غلّتي * أخفي الهوى عن عاذلي وأصون « 1 » يشير إلى حالة الستر والكتمان ، وهي حالة الملامتية « 2 » للذين يظهرون في كل عالم بحسب المواطن ، وهم رجال هذه الطريقة ، والعذال هم المنكرون على أهل هذه الطريقة أحوالهم لأنهم لا يعرفون جمال من تعشقوا به فإنه غيب لهم وليس عندهم إيمان فإنه يتجلى إلى قلب من شاء من عباده بضرب من ضروب المعرفة ليهيمهم ذلك التجلي فيه ، فتهون عليهم الشدائد التي تجري بها الأقدار عليهم ، وسبب إخفائه عن العدول الغيرة عن عرض المحبوب لئلا يقع العاذل في جناب من يستحق التعظيم بما لا يليق بجنابه ، فيفعل ذلك صيانة للمحبوب وإيثارا لا ضجرا لنفسه من الملايمة التي تعود عليه من ذلك ، فإنه ملتذ بسماع ذكر محبوبه لكن لا يجب أن يجري عليه في الذكر الألفاظ التي لا ينبغي بجلاله الأقدس ، فهو من باب وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الزمر : 67 ] . حتى إذا صاح الغراب ببينهم * فضح الفراق صبابة المحزون « 3 » يقول : إنّ العناية إذا حانت لبعض أهل هذا المقام ، وحيل بينه وبين هذه المناظر التي كانت متجلية له ، وهو ناظر إليها بفترة تلحقه أو وارد إلهي له حكمة بالغة ، ولم
--> ( 1 ) الغلل والغليل : شدة العطش وحرارته . ( 2 ) الملامتية : من مذاهب الصوفية ، سئل عنه حمدون فقال : هو خوف القدرية ورجاء المرجئة . ( 3 ) الغراب : جنس طير من الجواثم . يطلق على أنواع كثيرة ، منها الأسود ، والعرب يتشاءمون به إذا نعق قبل الرحيل ، ويسمونه غراب البين ويضرب به المثل في السواد والبكور والحذر والبعد .